عبد السلام مقبل المجيدي

161

تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم

وهيئة النطق به ، والوقت المختار لمراجعته ، وبيان الأوقات التي تصرف في أمور أخرى غير مراجعته وتعاهده . . . وإذ قد كانت هذه العناية الكثيرة الدقيقة . . . علم مقدار التوقيفية في نقل لفظ القرآن الكريم . فإن اعترض بأن : الإلقاء هو هيئة أداء القرآن من جبريل عليه السلام للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولا دليل أصرح فيه من آية المزمل إِنَّا سَنُلْقِي ، والإلقاء هو رمي الشيء من اليد إلى الأرض وطرحه ، ويقال : شيء لقى : أي مطروح ، وإذا كان كذلك فهو لا يفيد التمهل . فالجواب : عن هذا الإيراد : 1 - غاية ما يدل عليه أصل الوضع اللغوي لمادة ألقى هو الطرح ، فأين اقتران السرعة معه أو عدم اقترانها ؟ ، على أن الحقيقة العرفية مقدمة على الوضع اللغوي . 2 - لا يضرب دين اللّه سبحانه وتعالى بعضه ببعض ، بل يؤخذ هذا الدليل مجموعا إليه بقية الأدلة السابقة والمقترنة ، فيكون النقل محققا ، والتقرير مصدقا . 3 - الإلقاء في آية المزمل مستعار لمعنى الإبلاغ الذي يأتي دفعة واحدة لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يكن متوقعا له ، ولا مترقبا حدوثه ، فأريد تنبيهه على كمية الملقى عليه من خلال ما يشعر به لفظ ( نلقي ) ليقدر الأمر حق قدره ، فاستعير الإلقاء للإبلاغ دفعة على غير ترقب « 1 » . ويدل على أنه ليس المراد بالإلقاء القذف دون تمهل : ورود التعبير عنه في السنة بالنبذ ( فينبذه إلي ) وذلك عندما يتمثل الملك له رجلا ، وهذا الوصف يضاد معنى القذف السريع ؛ إذ أن الرجل عندما ينبذه إليه إنما ينبذه في لغة البشر ولا يقتضي ذاك السرعة ، وقد ورد التعبير عن الكلام بالإلقاء في قوله سبحانه وتعالى فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ " النحل / 86 " ،

--> ( 1 ) التحرير والتنوير 29 / 317 ، مرجع سابق .